مجمع البحوث الاسلامية
719
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
على الخلق أوّل مرّة ، قادر على إنطاق كلّ شيء . ( 14 : 5198 ) عبد الكريم الخطيب : ثمّ هناك « الجلد » وهو هذا الثّوب الّذي يكسو الإنسان ، ويحوي كيانه كلّه ، وهو موضع الإحساس فيه ، ويمثّل حاسّة اللّمس ، إلى جوانب الحواسّ الأخرى ، من السّمع والبصر والذّوق والشّمّ الّتي يحويها كلّها الوعاء الجلديّ . وقد فسّر بعض العلماء « الجلد » بالفرج ، وهو تأويل بعيد ، لا تساعد عليه اللّغة ، وإن كانت الفروج من الجوارح الّتي تهدّد النّاس بأفدح الأخطار وأشنعها . فكان حمل الجلود عليها منظورا فيه إلى إقامة أفصح الشّهود وأكثرهم دلالة على جرم المجرمين . وهذا ما نرى أنّ القرآن الكريم لم يقصد إليه هنا ، وإلّا لأنطق القلوب الّتي هي موطن الفساد ، وقائدي الضّلال عند أهل الفساد والضّلال والكفر ! كذلك فسّر بعض العلماء المحدّثين « الجلد » ببصمات الأصابع ؛ حيث لكلّ إنسان بصمة أصابعه الّتي لا يشاركه فيها إنسان غيره . وهذا التّأويل محمول فيه الجلد على أنّه الّذي يكشف عن شخصيّة الإنسان ، وينادي عليه أنّ هذا هو فلان « المجرم » فخذوه . وهذا المعنى أيضا غير وارد فيما سيقت الآية الكريمة له ، وهو أنّ اللّه سبحانه وتعالى أقام على الكافرين والمشركين والضّلّال شهودا عليهم من الجوارح الّتي كانت في الدّنيا من القوى المسخّرة لهم ، والّتي كانت نعما من نعم اللّه الجليلة عندهم ، لو أنّهم أحسنوا الانتفاع بها ، ولكنّهم وجّهوها غير وجهتها الّتي خلقها اللّه لها . وكان ذلك عدوانا على هذه الجوارح ذاتها ، بتكليفها ما لو كانت لها إرادة لأبت أن تفعله . فلمّا جاء يوم الحساب ، ولم يكن للإنسان سلطان عليها في هذا اليوم ، لأنّ إرادته قد تعطّلت ، تمثّلت هذه الجوارح شخوصا ، تقف من صاحبها موقف الخصومة ، وتنطق بما ارتكب بها صاحبها من منكرات ، ليقتصّ لها اللّه سبحانه من صاحبها ، المعتدي عليها . والجلود هنا هي - كما قلنا - الثّوب الّذي يكسو الكيان الإنسانيّ كلّه ، ويحوي في داخله هذا الهيكل البشريّ ، وما حوى من مشاعر ، وأحاسيس ووجدانات . فشهادة الجلد شهادة شاملة لكلّ ما شهدت به هذه الجوارح من الألسنة ، والأيدي ، والأرجل ، تستدرك ما فات هذه الجوارح أن تشهد عليه ، ممّا لم يكن داخلا في نطاق وظيفتها . ولهذا فإنّهم - أي أهل الضّلال - يتّجهون إلى جلودهم وحدها بالاستنكار عليها ، أن تؤدّي هذه الشّهادة الّتي تدينهم وتدين جلودهم معهم . وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فصّلت : 21 . والجلود قد أنطقها اللّه سبحانه الّذي أنطق كلّ شيء ، فكلّ شيء ناطق للّه سبحانه وتعالى ، كما أنّ كلّ شيء مسبّح بحمده ، كما يقول سبحانه : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ الإسراء : 44 ، فليس المراد بالنّطق هنا نطق اللّسان ، وإنّما المراد هو إفصاح الموجود عن وجوده ، والإبانة عن ولائه لخالقه ، بأيّة صورة من الصّور . ومن هذه الصّور انتظام الموجود في نظام الوجود ، وجريانه